ابو القاسم عبد الكريم القشيري

644

لطائف الإشارات

فلا يستزيد . ثم اكتفاء كلّ أحد يختلف في القلة والكثرة ، وراحة قلوب هؤلاء في التخلص من الحرص وإرادة الزيادة . ثم بعد هذا سكون القلب في حالة عدم وجود الأسباب ، فيكون مجردا عن الشيء ، ويكون في إرادته متوكلا على اللّه . وهؤلاء متباينون في الرتبة ، فواحد يكتفى بوعده لأنه صدقه في ضمانه ، فيسكن - عند فقد الأسباب - بقلبه ثقة منه بوعد ربه . . ويسمى هذا توكلا ، ويقال على هذا : إن التوكل سكون القلب بضمان الربّ ، أو سكون الجأش في طلب المعاش ، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نقده ، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد . وألطف من هذا أن يكتفى بعلم أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره اللّه ؛ ويعمل على طاعته ؛ ولا يراعى إنجاز ما وعده ؛ بل يكل أمره إلى اللّه . . وهذا هو التسليم . وفوق هذا التفويض « 1 » ، وهو أن يكل أمره إلى اللّه ، ولا يقترح على مولاه بحال ، ولا يختار ؛ ويستوى عنده وجود الأسباب وعدمها ؛ فيشتغل بأداء ما ألزمه اللّه ؛ ولا يفكر في حال نفسه ؛ ويعلم أنه مملوك لمولاه ؛ والسيّد أولى بعبده من العبد بنفسه « 2 » . فإذا ارتقى عن هذه الحالة ، وجد راحة في المنع ؛ واستعذب ما يستقبله من الرّدّ . . وتلك هي مرتبة الرضا « 3 » ؛ ويحصل له في هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه مالا يحصل لمن دونه من الحلاوة في وجود المقصود .

--> ( 1 ) الواقع أن القشيري هنا متأثر بالآراء الكثيرة التي أدلى بها الشيوخ في هذا الموضوع ، وعلى وجه الخصوص بشيخه الدقاق ، الذي يقول : التوكل ثلاث درجات : التوكل ثم التسليم ثم التفويض ؛ فالمتوكل يسكن إلى وعده ، وصاحب التسليم يكتفى بعلمه ، وصاحب التفويض يرضى بحكمه ، ويقول كذلك : التوكل بداية والتسليم واسطة ، والتفويض نهاية . ويقول كذلك : التوكل صفة المؤمنين والتسليم صفة الأولياء والتفويض صفة الموحدين . ( الرسالة ص 85 ) . ( 2 ) يروى في هذا الباب أن جماعة سألوا الجنيد : أين نطلب الرزق ؟ فقال : إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه . قالوا : فنسأل اللّه تعالى ذلك . فقال : إن علمتم أنه ينساكم فذكروه . فقالوا : ندخل البيت فنتوكل ؟ فقال : التجربة شك قالوا : فما الحيلة ؟ فقال : ترك الحيلة ( الرسالة الصفحة ذاتها ) . ( 3 ) كذلك ربط السراج في « لمعه » بين التوكل والرضا بوصفهما مقامين متتاليين في مقامات الطريق ( اللمع ص 79 من أسفل ) .